|
|
اسم الکتاب: إحياء علوم الدين - المجلد ۱
المؤلف: ابو حامد الغزالی
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۲٤
هذا المقام التأمل و الإصغاء إلى التشکیک و التجویز اتسعت نفسه للتجویز،و هذا یسمى اعتقادا مقاربا للیقین ،و هو اعتقاد العوام فی الشرعیات کلها،إذ رسخ فی نفوسهم بمجرد السماع،حتى إن کل فرقة تثق بصحة مذهبها و إصابة إمامها و متبوعها،و لو ذکر لأحدهم إمکان خطأ إمامه نفر عن قبوله الرابع-المعرفة الحقیقیة الحاصلة بطریق البرهان الذی لا یشک فیه و لا یتصوّر الشک فیه، فإذا امتنع وجود الشک و إمکانه یسمى یقینا عند هؤلاء.و مثاله أنه إذا قیل للعاقل:هل فی الوجود شیء هو قدیم؟فلا یمکنه التصدیق به بالبدیهة،لأن القدیم غیر محسوس،لا کالشمس و القمر،فإنه یصدق بوجودهما بالحس،و لیس العلم بوجود شیء قدیم أزلی ضروریا مثل العلم بأن الاثنین أکثر من الواحد،بل مثل العلم بأن حدوث حادث بلا سبب محال،فان هذا أیضا ضروری،فحق غریزة العقل أن تتوقف عن التصدیق بوجود القدیم على طریق الارتجال و البدیهة.ثم من الناس من یسمع ذلک و یصدق بالسماع تصدیقا جزما و یستمر علیه،و ذلک هو الاعتقاد ،و هو حال جمیع العوام.و من الناس من یصدّق به بالبرهان و هو أن یقال له: إن لم یکن فی الوجود قدیم فالموجودات کلها حادثة،فان کانت کلها حادثة فهی حادثة بلا سبب أو فیها حادث بلا سبب و ذلک محال،فالمؤدى إلى المحال محال،فیلزم فی العقل التصدیق بوجود شیء قدیم بالضرورة،لأن الأقسام ثلاثة:و هی أن تکون الموجودات کلها قدیمة، أو کلها حادثة،أو بعضها قدیمة و بعضها حادثة،فان کانت کلها قدیمة فقد حصل المطلوب إذ ثبت على الجملة قدیم ،و إن کان الکل حادثا فهو محال،إذ یؤدى إلى حدوث بغیر سبب،فیثبت القسم الثالث أو الأول،و کل علم حصل على هذا الوجه یسمى یقینا عند هؤلاء،سواء حصل بنظر مثل ما ذکرناه أو حصل بحس أو بغریزة العقل،کالعلم باستحالة حادث بلا سبب،أو بتواتر کالعلم بوجود مکة،أو بتجربة کالعلم بأن السقمونیا المطبوخ مسهل،أو بدلیل کما ذکرنا فشرط إطلاق هذا الاسم عندهم عدم الشک.فکل علم لا شک فیه یسمى یقینا عند هؤلاء، و على هذا لا یوصف الیقین بالضعف ،إذ لا تفاوت فی نفى الشک. الاصطلاح الثانی-اصطلاح الفقهاء و المتصوّفة و أکثر العلماء ،و هو أن لا یلتفت فیه الى اعتبار التجویز و الشک،بل إلى استیلائه و غلبته على العقل،حتى یقال:فلان ضعیف الیقین |
|