|
|
اسم الکتاب: المسلمون قوّة الوحدة في عالم القوى
المؤلف: عبد القادر الإدريسي السوداني
الجزء: ۱
الصفحة: ٣٠٦
وإنّه لمن عجائب حرکة التاریخ أن نشهد أوروبا وهی تتوحدّ أمام أعیننا ، وتلملم شتاتها وتلغی تناقضاتها ، ملقیة وراء ظهرها بتاریخ یزید على ألف عام من العداءات وأنهار من الدماء ، ورکام من البغضاء. أوروبا ذات القومیات العدوانیة المفترسة ، أوروبا الکاثولیکیة ـ البروتستنتیة ـ الأرثوذکسیة ـ العلمانیة الملحدة ، أوروبا الرأسمالیة والاشتراکیة ، وأوروبا ذات اللغات الشتّى. وأن نشهد المسلمین ـ بل العرب ـ وهم یتفتتون ویتمزّقون ویتعادون ویتناحرون ، بل ویتحاربون ، فتسیل بینهم أنهار من الدماء ، وتتعالى جبال من البغضاء ، ملقین وراء ظهورهم بتاریخ من التوحد والتکامل ـ بشکل أو بآخر ـ یمتد إلى ما یزید على ألف عام. ولیس هذا وذاک من أقدار الله الحتمیة التی اختصّ الله بغیبها وحجب عن البشر العلم بسننها ، بل هو قدر جعله الله تعالى رهناً باختیار البشر. إنّه سنّة من سنن حرکة التاریخ التی کشف عنها فی محکم کتابه المجید ، إنّه عقلنة علاقات الإنسان والمجتمع على أساس عدم اتباع الأهواء الذاتیة الشخصیة والعرقیة فی صیاغة هذه العلاقات وإدارتها ، بل اتباع ما تقضی به مصلحة المجتمع والأُمّة العامة فی قضیة الوحدة ، والتکامل ، والتنوّع وبذلک تحفظ مصلحة الأفراد والجماعات داخل المجتمع والأُمّة ، واتباع الطریق المخالف ، وهو مصلحة الأفراد والجماعات فی صیاغة العلاقات وإدارتها یضیع مصلح الأُمّة کلّها ، وتضیع ـ فی النهایة ـ المصلحة الخاصّة نفسها للأفراد والجماعات. وقد بیّن الله الحکیم العلیم سبحانه هذا القانون فی آیات کثیرة ، وفی بعضها أمثلة تطبیقیة من تاریخ الأُمم ، ومن ذلک ما بیّنه سبحانه من شأن الیهود |
|